يوسف المرعشلي
546
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
القلقين بدار هناك ، وأخذ بعد وفاته عن الشيخ محمد بن علي الوكيلي الحسني نزيل مدشر كرمة ، وبعد وفاته ظهر عليه أثر الصلاح والخير والدين . قال ابن سودة : اتصلت به مرارا وذاكرته ، وكان في بعض الأحيان يرشدني في مذاكراته إلى الأعمال الصالحة ويدعو لي كثيرا ، وبقي على حاله وإخلاصه إلى أن لقي ربه في سادس صفر الخير عام سبعة بموحدة وستين وثلاثمائة وألف ، ودفن من يومه بروضة الشيخ أبي المحاسين يوسف الفاسي الفهري بأعلى القباب ، وقبيله ليس من أولاد المنجرة الحسنيين الذين منهم الشيخ الطايع المار الترجمة . انظر كتابنا « إزالة الالتباس عن قبائل سكان مدينة فاس » . الطاهر ابن سودة « * » ( 000 - 1335 ه ) الطاهر بن محمد بن عبد الواحد ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ التاودي ابن الطالب ابن سودة ، الفقيه العلامة ، المطلع المشارك ، الخطيب الفصيح ، الخيّر الذاكر ، من آخر من مثّل السلف الصالح دينا وسمتا . أخذ عن والده وهو عمدته ، وعن الشيخ المهدي بن محمد ابن الحاج ، والشيخ عبد السلام بن الطائع بو غالب الحسني ، والشيخ المهدي بن الطالب ابن سودة ، والشيخ محمد - فتحا - بن عبد الرحمن العلوي القاضي ، والشيخ محمد بن المدني گنون ، والشيخ أحمد بن أحمد بناني كلا ، والشيخ عبد الهادي بن أحمد الصقلي الحسيني ، وغيرهم من الأشياخ . تولى الخطابة والإمامة بجامع الأندلس والصلاة بمصلّى باب الفتوح في الأعياد منذ وفاة والده التي كانت عام تسعة وتسعين ومائتين وألف إلى وفاته . وفي كل ذلك كان محبوبا معظما محترما عند الناس ، يذهب في الشفاعات ويصالح بين الخصوم ولا يرد له قول حياء منه ، لأنه لا يقول إلّا ما فيه صلاح الجميع . وكان في بعض الأحيان ربما نظم الشعر ، وقفت له على قصيدة مدح بها الشيخ عبد الهادي الصقلي الحسيني المذكور لما أتم بناء داره بالسبع لوبات وهي متوسطة الجودة ، كما وقفت له على رسالة صادرة من الشيخ محمد بن قاسم البهلوي المتوفى عام أحد وعشرين وثلاثمائة وألف إلى صاحب الترجمة أردت أن أثبتها هنا لما فيها من الفوائد وبها تعرف قيمة المترجم نصها : الحمد للّه وصلّى اللّه على من لا نبيّ بعده . حضرة الفقيه الأجلّ العالم العلّامة الأفضل الذكي الأمجد الأمثل ، من فاق بحكمته أرسطو وجالينوس ، وبذّ بذكاء عقله بقراط وبطليموس ، أعني بذلك الورع الكامل ، الحائز للفضائل الكوامل ، من بذكره تتزيّن المناطق ، وبالثناء عليه كل لسان ناطق ، ذا الشرف الباذخ ، والجد الشامخ ، والثبوت الراسخ ، حسنة الزمان ، الذي لا نظير له في العيان ، صاحب المحبة والمودة سيدي الطاهر ابن سودة ، سلام عليك أشهى من الصهباء ، وأكمل من لقاء الأحباء ، وأعذب من شرب الماء على الظماء ، وبعد ، فقد وصلنا كتابك الذي كادت جواهر المعاني الباطنة في القرطاس تلمع ، وتأملت ما فيه من مشاهدتكم لنور النبي صلى اللّه عليه وسلم أين ما حل وطلع ، وبحسن الظن بعباد اللّه الحديث خصلتان ليس فوقهما من الخير شيء : حسن الظن باللّه وحسن الظن بعباده . وأمّا ما نتيقّنه نحن من أنفسنا فالأمر بخلاف ما ظننتموه فينا . قال ابن عطاء اللّه : أجهل الناس من ترك يقين ما عنده بظن ما عند الناس ، وقال عز وجل بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [ القيامة : 14 ] ونخاف من الذين قال فيهم اللّه : وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ آل عمران : 188 ] ولكن يا أخي علينا وعليك بالمسكنة فإنها ثوب لا يبلى ، وحقيقة المساكين بيّنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس المسكين من تردّه الكسرة والكسرتان وإنما المسكين من لا يسأل الناس » إلخ ، من هذا حاله يلازم الذلة والفاقة والاضطرار . قال تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل عمران : 123 ] وقال أيضا * يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] إن افتقرت من حولك وقوتك وسائر أفعالك يغنك من فضله ، والاضطرار مظنة الإجابة . قال تعالى أَمَّنْ
--> ( * ) « سلّ النصال » لابن سودة ص : 14 - 15 .